الرئيسية > مقالات صحفية > الخدمة الجيدة خدمة مكلفة أيضا

الخدمة الجيدة خدمة مكلفة أيضا

أصادف هذه الأيام إعلانات خاصة بإحدى الدول العربية تدعوا مواطنيها لتقديم (الإقرار الضريبي) قبل نهاية مارس .. وكلما شاهدت هذه الإعلانات (التي تتضمن تهديداً مبطناً بعدم التزوير أو التأخير) أحمد الله على وجودنا في بلد لا يعتمد على جباية الضرائب من المواطنيين …


وفي الحقيقة ؛ أنا شخصيا أملك مشاعر مختلطة بهذا الخصوص ؛ فأنا من جهة مثل أي مواطن لا أرغب بدفع أي نسبة من دخلي للدولة (وأرجو من النقاد تذكر هذه الكلمة حتى النهاية) وفي المقابل أؤمن بأن النظام الضريبي ضرورة لاستمرار مسيرة النمو والازدهار في أي مجتمع .. فالضرائب أساس التمويل في الدول الحديثة ولايمكن لأي خدمة الاستمرار بدونها . ويبدو أن السبب الوحيد لتأخرنا في إقرار نظام كهذا هو اعتمادنا المزمن على النفط وتكفله بمعظم موارد الدولة .. ولكن في المقابل لا ننسى أن النفط سلعة محدودة ومتقلبة وأن الدولة مهما كان ثراؤها لاتستطيع تقديم خدماتها بصورة مجانية لفترة طويلة …

ورغم بداهة الفكرة مايزال هناك من يعتقد أن البترول كفيل بحل كل المشاكل ؛ ولكن الحقيقة هي ان ثراء الأمم لا يأتي من ثرواتها الطبيعية بل من كد أبنائها واستعدادهم ” للدفع” وبالتالي استمرار دورة النماء .. انظروا مثلا إلى مستوى الدخل والخدمات في بريطانيا والنرويج .. فهاتان الدولتان مثال للثراء والتقدم ورقى الخدمات بفضل وجود نظام ضريبي ومحاسبي ممتاز وليس بسبب النفط الذي يتدفق بغزارة من بحر الشمال .. وفي المقابل نرى دولاً نفطية كثيرة تتخبط في دائرة التخلف والبيروقراطية (مثل نيجيريا وبعض الدول العربية) في حين استطاعت دول لا تملك أي موارد طبيعية (كاليابان وسويسرا بل وحتى دبي) الوصول لمستوى متقدم بفضل التخطيط السليم وتطوير مواردها البشرية !

وأنا شخصيا على قناعة بأن تعودنا المفرط على مجانية الخدمات هو سبب تخلفها وإعاقة تطورها؛ فرغم أننا نضرب المثل دائما برقي الخدمات في الدول المتقدمة إلا أننا نتجاهل أنها خدمات “خاصة” ومدفوعة الثمن .. ففي أمريكا مثلا هناك قول مفاده : “التعليم الجيد تعليم مكلف” .. وهذا المبدأ يتفهمه المواطنون هناك (بروح رياضية) ويستعد له الآباء قبل دخول أبنائهم للجامعة بسنين طويلة (في حين نفاجأ نحن بعدم قبول الولد أو البنت في الجامعة بعد تخرجه من الثانوية) . وهذا القول يعني بكثير من الصراحة ان من يرغب بالتعليم الراقي عليه دفع ثمنه لأن من المستحيل وجود جامعات راقية ومعامل متقدمة وأساتذة على مستوى عال بسعر زهيد ..

وكما أن التعليم الجيد تعليم مكلف ؛ أيضا الخدمة الصحية الجيدة خدمة مكلفة ؛ والمواصلات الجيدة مواصلات مكلفة ؛ وكل خدمة نطلبها بمستوى راقٍ يجب أن نتوقع توفرها ونقبل بشرائها بسعر يوازي جودتها ..

أما أن نطالب بتطوير الخدمات العامة وفي نفس الوقت توفيرها مجاناً فهو أمر يخالف أبسط قواعد الاقتصاد والمنطق والتخطيط السليم …

………… أقول هذا وأنا مازلت في داخلي مثل أي مواطن لا أرغب بدفع قرش من راتبي !!

فهد عامر الاحمدي / صحيفة الوطن

التصنيفات :مقالات صحفية
  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: