الرئيسية > مقالات صحفية > المجلس الوطني الاتحادي ومطالبات التطوير

المجلس الوطني الاتحادي ومطالبات التطوير

خليفة راشد الشعالي: كثيرة هي تجارب الدول والأنظمة والشعوب والأمم، وأكثر منها الوقائع والقصص والأساطير التي تُروى عن العدل عبر التاريخ، وكيف استطاعت الحضارات الكبرى أن تؤسِسَ نظامها عليه، وبه استطاعت أن تسود ويُخلد اسمها وتجربتها . إلا أن تطور مفهوم المشاركة السياسية في القرنين الماضيين يؤكد للباحث اليوم أن مجتمعات لا حصر لها توجت التجربة الإنسانية عبر القرون بإصرارها على المحافظة على مكتسباتها، واعتبار ذلك بمثابة إرث قيّم لا يمكن التفريط به، ذلك لأن الأنظمة السياسية في هذه الدول أيقنت أنه لا سبيل للبقاء والتطور إلا بمواصلة نهج المشاركة السياسية، واعتناق مبادئ الفصل بين السلطات ورقابة السلطات على بعضها، وأن السلطات مثلها مثل الأفراد محكومة بمبدأ الشرعية وحكم القانون، وأن السلطة التنفيذية على وجه الخصوص (الإدارة/الحكومة) خاضعة لحكم القانون مثلها مثل باقي السلطات، وبهذا الخضوع، تحوز على المشروعية، على أن سلطة أخرى تراقب حسن أدائها ومشروعية تصرفاتها، وهي السلطة التشريعية (البرلمان) في ما يسمى الرقابة السياسية، إضافة إلى رقابة القضاء سواء كان إدارياً أو قضاء عادياً .

وقد أثبتت تجارب الدول في العصر الحديث أن الرقابة على أعمال الحكومة تعتبر ضمانة لبقاء المجتمع واستقراره، وحماية له من الفساد والمفسدين، وهي كذلك لأي نظام سياسي، ومن دونها يفتقر نظام الحكم إلى الصدقية، وإلى الأداة التي تمكنه من تصحيح نهج السلطة التنفيذية أو أفرادها من الموظفين العموميين، إن هم ساروا في طريق غير مشروع أو تعسفوا في استعمال حقهم، وفي هذا ضمانة للأفراد في المجتمع من أن يضاموا أو تهضم حقوقهم .

وفي هذا السياق، تثبت محاضر اجتماعات مجلس الحكام التساعي وأخيراً السباعي، أن المشرع حاول الموازنة عند تأسيس الدولة في نظامها الأساس (الدستور)، بين تطلعات وآمال الأفراد في الحكم الرشيد ونوع من المشاركة السياسية، وتخوّف آخرون على مكانتهم ومكتسباتهم وامتيازاتهم، ولم يكن بالإمكان تحقيق اكثر مما كان، كما ورد عن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لأن التغيير والتطوير يواجهان كثيراً من التحديات، لذا تصبح المشاركة السياسية بمفهومها النظري المجرد، عملية محفوفة بالمخاطر حسبما يعتقد أولئك الذين يخافون على هوية الوطن وإرثه وقيمه، وربما معتقداته ومكتسباته وانتماءاته .

تطوير المشاركة السياسية من خلال المجلس الوطني الاتحادي تحدّها من جانب آخر قواعد قانونية دستورية لا يمكن تغييرها الا وفق آلية خاصة كما حددتها المادة ،49 وحيث إن ذلك التغيير من المسائل الموضوعية فانه يلزم توافر أغلبية الخمسة بالاضافة إلى صوتي إمارتي أبوظبي ودبي . وقد منح الدستور في المادة 46 سلطات واسعة في مجالي التشريع والتنفيذ، التي قررت أن المجلس الأعلى هو السلطة العليا في الاتحاد، وهذا واضح من سياق المادة 47 التي اسندت بعض المهام مثل؛ التصديق على القوانين وإصدارها ورسم السياسة العامة والتصديق على المراسيم والمعاهدات والاتفاقيات الدولية والموافقة على تعيين رئيس مجلس الوزراء وقبول استقالته، وكذلك الحال بالنسبة لأعضاء ورئيس السلطة القضائية الاتحادية . وبناء عليه فإن سلطة التشريع منحت لرئيس السلطة التنفيذية وهو في هذه الحالة؛ رئيس الاتحاد والمجلس الأعلى، وهاتان المؤسستان تملكان (دستورياً) القول الفصل في التشريع والتنفيذ، رغم أن كلاً من المجلس الوطني الاتحادي ومجلس الوزراء يساعد في ذلك تحت إشراف ورقابة رئيس الاتحاد والمجلس الأعلى . أما على المستوى المحلي فإن سلطتي التشريع والتنفيذ بيد حاكم الإمارة، وهناك من المجالس واللجان المحلية ما يعضد دور الحاكم في الجانب التشريعي والتنفيذي .

غير أن المجلس الوطني الاتحادي رغم كل المبادرات والنوايا الحسنة والمطالبات مازال أقل من مستوى سلطة تشريعية، وهو لا يملك دستورياً الأدوات التي تمكنه من الرقابة على أعمال الحكومة، ولا يمكنه تغيير لائحته الداخلية منفرداً، إلا أنه عبر فترات من التجلي استطاع إيصال صوته إلى متخذي القرار فشاركهم في بنائه وإصداره .

المجلس الوطني الاتحادي مؤسسة دستورية رئيسة، قد نختلف ونتفق على مهامه وواجباته وعلى صلاحياته وقدرته على المشاركة السياسية، ولكنه يبقى أحد أركان الاتحاد مثله مثل المجلس الأعلى ومجلس الوزراء والقضاء الاتحادي . المجلس الوطني من دون أدنى شك، يقف مع المطالبين بالتطوير والتغيير، إلا أن ذلك رهن بجدوى التغيير وقناعة المؤسسات الفاعلة به، وهل سيكون لمصلحة الوطن، خاصة أن المنطقة تمر بظروف استثنائية تجبر المخطط الاستراتيجي على التريث قبل اتخاذ قرار مصيري . وإذا ما استدعينا التجرية الأخيرة في التغيير التي آتت ثماراً غير ايجابية، وتراجع بها المجلس عن أداء أدوار رقابية، كان يقوم بها في السابق؛ فصار أعلى سقف له مناقشة بعض وزراء الخدمات أو الاكتفاء بنقل رأيه إلى الوزارة او مجلس وزراء الخدمات عبر وزير الدولة لشؤون الجلس الوطني، الذي يمثل في نفس الوقت الحكومة التي هو عضو فيها .

أمام هذا الوضع، ورغم كل التحديات، نعتقد أن المجلس الوطني الاتحادي يمكنه أن يقوم بدور رقابي مهم تحت إشراف المجلس الأعلى ورئيس الدولة ويكون ممثلاً لهما في هذه المهمة، إذا ما ألحقت به مؤسسات رقابية قائمة دستورياً، مثل ديوان المحاسبة، إلا أن ذلك مرهون بتغيير موضوعي في الدستور، بحيث يتساوى كل من المجلس الوطني (البرلمان) مع مجلس الوزراء (الحكومة) في المكانة، ويراقب كل منهما الآخر وفق آليات الرقابة السياسية المتعارف عليها دستورياً .

التصنيفات :مقالات صحفية
  1. لا يوجد تعليقات.
  1. No trackbacks yet.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: